محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
340
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
بتبختر « 1 » في مشيته بخلاف ما سبق من عادته ، فقالت له : يا عتبة . ما هذا التيه « 2 » والعجب الذي لم أره في شمائلك قبل اليوم ؟ فقال : يا رابعة ، ومن أولى بهذا التيه مني وقد أصبح لي مولى ، وأصبحت له عبدا . وقال بعضهم : كنت مسافرا إلى مكة ، فبينما أنا أمشي إذ رأيت شيخا بيده مصحف وهو ينظر فيه ويرقص ، فتقدمت إليه فقلت : يا شيخ ، ما هذا الرقص ؟ قال : دعني عنك ؛ قلت في نفسي عبد من أنا ، وكلام من أتلو ، وبيت من أنا قاصد ، فاستفزني الوجد فرقصت ، وأنشد في هذا المعنى : قوم تخللهم زهو بسيّدهم * والعبد يزهو على مقدار مولاه تاهو برؤيته عما سواه له * يا حسن رؤيتهم في حسن ما تاهوا ويجوز أن يكون المراد بقوله : ( وبذكري فليتنعّمو ) أي : بذكري إيّاهم في الأزل حيث لا وجود لهم ، وإلّا فإن الذكر المنسوب إليهم محل الآفات والعلل ، وهم أجلّ رتبة من أن يكون نعيمهم بشيء ملتبس بهم . واللّه تعالى يجعل فرحنا وإياكم به ، وبالرضا منه ، وأن يجعلنا من أهل الفهم عنه ، وأن لا يجعلنا من الغافلين ، وأن يسلك بنا مسالك المتقين بمنه وكرمه . هذا دعاء حسن موافق لمعنى ما تقدم ، وهو بيّن لا يحتاج إلى تبيين ولا تنبيه عليه ؛ فاللّه تعالى يحقق لنا ذلك بفضله وإحسانه إنه أرحم الراحمين . فصل وقال رضي اللّه عنه : إلهي أنا الفقير في غناي ، فكيف لا أكون فقيرا في فقري ؟ إلهي أنا الجاهل في علمي فكيف لا أكون جهولا في جهلي ؟ العبد موصوف بصفات النقص ، وهي ذاتية له . والكمال العارض له والمنسوب إليه نقصان على التحقيق . ومن ثمّ كان ما ذكره المؤلف - رحمه اللّه تعالى - من كونه : فقيرا في غناه ، وجاهلا في علمه صحيحا مستقيما ، وكأنه قصد - رضي اللّه عنه - بهذا الاعتراف بدوام الاضطرار ، ولزوم الفاقة والافتقار ، وأنه لا استغناء له عن مولاه عزّ وجلّ ولا ينفك من
--> ( 1 ) تبختر : مشى مختالا معجبا بنفسه . ( 2 ) التيه : الصلف والكبر .